الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
304
نفحات القرآن
قدرة سماع ما يُنقل عنهم ، وبهذا فقدوا هاتين الوسيلتين المهمتين للمعرفة - السمع والبصر - من الناحية العملية وظنوا أنّهم في أمان من عذاب اللَّه ، وقد حصل لهم هذا الظن من خِلال السير في الأرض ودراسة التاريخ والأقوام السالفة ، فما سمعوا عن تلك الأقوام بآذانهم ، ولا شاهدوا بأعينهم ، بل إنّ ابصارهم وآذانهم وأفئدتهم عاطلة عن العمل فحسبوا أن لا عذاب لهم . إلّا أنّه بعد انقضاء وطر من الزمن أدركوا خطأهم والتزموا طريق التوبة ، وقد وسعتهم رحمة اللَّه فقبل توبتهم . ومرة أخرى خدعتهم ظنونهم الباطلة فظنوا أنّهم شعب اللَّه المختار في أرضه ( بل أبناء اللَّه ) ، فأسدلت ستائر العمى والصم والجهل على ابصارهم وسمعهم وطُردوا من رحمة اللَّه تارة أخرى . إنّ هذه الآية تبين بوضوح أنّ الظنون الباطلة وخاصة ظن الأمان من عذاب اللَّه يجعل غشاوة على الباصر والمسع ويعطلهما عن العمل . وعلى هذا ، فالمراد من « فعموا وصموا » هو أن أعينهم ما بصرت آيات اللَّه والآثار الباقية من الأقوام السالفة ، وأنّ آذانهم ما صغت لمواعظ الرسل . وبديهي أنّ اتباع الظن الباطل لمرة أو مرات لا يترك هذا المردود السلبي لدى الإنسان ، بل الاستمرار عليه هو السبب في ذلك . وهناك أقوال في سبب عطف الجملة الثانية على الأولى ب « ثم » التي تدل على الفاصل الزمني . فقال البعص : إنّ استعمالها للإشارة إلى مصيرين مختلفين لليهود ، أحدهما عندما هاجمهم أهل بابل ، والثاني عندما هاجمهم الإيرانيون والروميون وأسقطوا حكومتهم « 1 » ، وقد جاء شرح ذلك في التفسير الأمثل في بداية سورة بني إسرائيل . وقال البعض : إنّ الجملة الأولى إشارة إلى عهد زكريا ويحيى وعيسى حيث خالفهم
--> ( 1 ) . تفسير المنار ، ج 6 ، ص 481 .